العراق بين النفوذ الإيراني والوجود الأمريكي: انقسام معقّد يزداد وضوحًا مع تصاعد التوترات
العراق بين النفوذ الإيراني والوجود الأمريكي
شهد العراق منذ سنوات حالة من الانقسام السياسي والعسكري نتيجة تضارب النفوذ بين الولايات المتحدة وإيران، وهو انقسام تعمّق أكثر مع تصاعد العمليات العسكرية الأمريكية في المنطقة، وردود الفعل من الفصائل المسلحة المقرّبة من طهران. هذا الواقع جعل العراق ساحة توازنات حسّاسة، تتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية مع البنية الداخلية للدولة.
✦ الفصائل الموالية لإيران: نفوذ واسع وقدرات متنامية
تُعدّ الفصائل المنضوية تحت “الحشد الشعبي” الأكثر قربًا من إيران، سواء من حيث التمويل أو التدريب أو العقيدة العسكرية. وتبرز من بينها
كتائب حزب الله
عصائب أهل الحق
النجباء
هذه الفصائل ترى في الوجود الأمريكي تهديدًا مباشرًا، وتعتبر نفسها جزءًا من محور المقاومة الإقليمي. وقد نفّذت خلال السنوات الماضية هجمات متكررة على قواعد تضم قوات أمريكية، سواء في العراق أو سوريا.
دوافع هذا المعسكر
مواجهة النفوذ الأمريكي في المنطقة
الحفاظ على علاقة استراتيجية مع إيران
تعزيز دور الحشد الشعبي داخل مؤسسات الدولة
✦ القوات والفصائل القريبة من الولايات المتحدة
في المقابل، توجد قوات عراقية رسمية تعتمد بشكل كبير على الدعم الأمريكي، أبرزها:
جهاز مكافحة الإرهاب
بعض وحدات الجيش العراقي
قوات البيشمركة في إقليم كردستان
هذه القوات تلقت تدريبًا وتسليحًا أمريكيًا لسنوات، وتعتبر واشنطن شريكًا أساسيًا في مكافحة الإرهاب، خصوصًا ضد تنظيم داعش.
دوافع هذا المعسكر
الحفاظ على الشراكة الأمنية مع واشنطن
ضمان استمرار الدعم العسكري والاستخباراتي
منع عودة التنظيمات المتطرفة
✦ الانقسام داخل الدولة العراقية
هذا التباين خلق حالة من الازدواجية داخل المؤسسات
حكومة تحاول الموازنة بين الطرفين
برلمان منقسم بين كتل موالية لإيران وأخرى قريبة من واشنطن
أجهزة أمنية تعمل بتوجهات مختلفة
ومع كل تصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، يجد العراق نفسه في قلب الأزمة، حيث تتعرض قواعده لهجمات، وتصدر عنه مواقف متضاربة تعكس حجم الانقسام الداخلي.
✦ كيف أثّرت الحرب الأمريكية الأخيرة على الوضع؟
: مع تصاعد الضربات الأمريكية ضد مواقع مرتبطة بفصائل مدعومة من إيران، برزت عدة نتائج
زيادة الهجمات الانتقامية داخل العراق
ضغوط سياسية على الحكومة لاتخاذ موقف واضح
تنامي المخاوف من انزلاق العراق إلى ساحة مواجهة مباشرة
الفصائل الموالية لإيران اعتبرت الضربات “اعتداءً على السيادة”، بينما رأت أطراف أخرى أنها “رد على تهديدات حقيقية”.
العراق اليوم يقف في منطقة رمادية بين قوتين كبيرتين
فهو لا يستطيع التخلي عن الدعم الأمريكي، ولا يمكنه تجاهل النفوذ الإيراني المتجذّر.
ومع استمرار التوترات، يبقى مستقبل الاستقرار في العراق مرتبطًا بقدرته على إدارة هذا الانقسام دون الانجرار إلى صراع مفتوح.
التأثيرات على الوضع الاقتصادي في العراق
مع كل تصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، يجد الاقتصاد العراقي نفسه في موقع هش:
الاعتماد على النفط: العراق يعتمد بشكل شبه كامل على عائدات النفط، وأي توتر أمني أو استهداف للبنى التحتية أو الممرات البحرية ينعكس مباشرة على الصادرات النفطية، وبالتالي على الموازنة العامة ورواتب الموظفين والخدمات.
الاستثمار الأجنبي: حالة عدم اليقين الأمني والسياسي تجعل المستثمرين مترددين في الدخول إلى السوق العراقية، أو توسيع استثماراتهم، خصوصًا في قطاعات الطاقة والبنى التحتية.
العقوبات والضغوط المالية: أي تصعيد كبير بين واشنطن وطهران قد يضع العراق في موقف حرج بين الالتزام بالعقوبات الأمريكية على إيران، وبين حاجته المستمرة لاستيراد الغاز والطاقة منها، ما يخلق ضغوطًا على قطاع الكهرباء والإنفاق الحكومي.
: التأثيرات الاجتماعية والانقسام الداخلي
الانقسام السياسي والعسكري ينعكس بشكل مباشر على المجتمع:
استقطاب مجتمعي: جزء من الشارع يميل إلى الخطاب المناهض للوجود الأمريكي، وجزء آخر يخشى من تغوّل الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، ما يخلق حالة استقطاب داخل المدن والبيئات العشائرية والحزبية.
تعب المجتمع من الصراعات: بعد سنوات من الحروب والعنف والإرهاب، باتت شرائح واسعة من العراقيين تبحث عن الاستقرار والخدمات وفرص العمل، وترى أن صراع النفوذ بين واشنطن وطهران على أرض العراق يعرقل أي فرصة لتحسين الواقع المعيشي.
هجرة العقول والشباب: استمرار التوترات يدفع الكثير من الكفاءات والشباب للتفكير بالهجرة، ما يضعف قدرة الدولة على إعادة البناء والتنمية.
: مستقبل العلاقات مع دول المنطقة والخليج
العراق يقف في موقع حساس بين محورين
مع دول الخليج: دول الخليج تنظر إلى العراق باعتباره دولة يمكن أن تلعب دور “جسر” لا “ساحة صراع”. كلما نجح العراق في ضبط سلاح الفصائل وتقليل الهجمات على المصالح الغربية أو الخليجية، زادت فرصه في جذب الاستثمارات الخليجية، خصوصًا في الطاقة والربط الكهربائي والمشاريع التنموية.
مع إيران: العلاقة مع طهران عميقة ومعقّدة، تمتد من الاقتصاد إلى الأمن إلى السياسة. أي محاولة عراقية للابتعاد عن النفوذ الإيراني بشكل حاد قد تواجَه برد فعل من الفصائل المقرّبة من إيران، ما يجعل بغداد تميل غالبًا إلى سياسة “الموازنة” لا القطيعة.
مع تركيا وسوريا والأردن: استقرار العراق ينعكس على ملفات الحدود، التجارة، ومكافحة الإرهاب، ما يجعل دول الجوار تراقب بدقة أي تصعيد بين واشنطن وطهران على الساحة العراقية.
رابعًا: ماذا لو خسرت إيران الحرب أو تراجعت قدرتها الإقليمية؟
إذا تعرّضت إيران لهزيمة عسكرية كبيرة أو تراجع حاد في نفوذها
: داخل العراق
قد تتراجع قوة بعض الفصائل المسلحة المرتبطة بها، أو تعيد تموضعها.
قد تحاول أطراف أخرى (محلية أو إقليمية) ملء الفراغ، ما يفتح بابًا لصراعات جديدة على النفوذ.
قد تستفيد الدولة العراقية رسميًا من ذلك لإعادة ترتيب المشهد الأمني، إذا توفرت إرادة سياسية قوية.
: إقليميًا
قد تشهد المنطقة إعادة رسم للتحالفات، مع تعزيز دور دول الخليج وتركيا وربما قوى دولية أخرى.
قد تتراجع حدة “حروب الوكلاء” في بعض الساحات، لكن احتمال ظهور أشكال جديدة من الصراع يبقى قائمًا.
العراق اليوم ليس مجرد دولة متأثرة بصراع أمريكي–إيراني، بل هو جزء من معادلة إقليمية كاملة. أي تغيّر كبير في ميزان القوى بين واشنطن وطهران، سواء عبر حرب مفتوحة أو انسحاب أو تسوية، سينعكس مباشرة على:
شكل الدولة العراقية
توازن القوى بين الفصائل
مستقبل الاقتصاد
وموقع العراق في خريطة العلاقات مع الخليج والمنطقة.
: المصادر
معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى
https://www.washingtoninstitute.org
معهد كارنيغي للشرق الأوسط
مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية – CSIS
: المزيد مقالات الموقع