كيف تنظر روسيا والصين إلى الحرب الأميركية–الإيرانية
: كيف تنظر روسيا والصين إلى الحرب الأميركية–الإيرانية
لم تكن شرارة التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران حدثًا منفصلًا عن المشهد الدولي، بل بدت كأنها حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التحولات التي تعيد رسم ملامح النظام العالمي. وبينما تتجه الأنظار إلى الخليج، كانت موسكو وبكين تراقبان المشهد من بعيد… لكن ليس ببرود، بل بحسابات دقيقة، كل خطوة فيها تحمل معنى، وكل تطور يفتح بابًا جديدًا للمكاسب أو المخاطر.أ
: روسيا… اللاعب الذي ينتظر اللحظة المناسبة
منذ اللحظة الأولى، بدا أن موسكو ليست في عجلة من أمرها. فالحرب بين واشنطن وطهران، إن اندلعت، لن تكون مجرد مواجهة إقليمية، بل فرصة استراتيجية نادرة.
روسيا تعرف جيدًا أن الولايات المتحدة لا تستطيع خوض حرب واسعة دون أن تدفع ثمنًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا. وكلما تورطت واشنطن أكثر، كلما اتسع هامش الحركة أمام موسكو في ملفات أخرى، وعلى رأسها أوكرانيا.
وفي الكرملين، يدرك صانعو القرار أن أي اضطراب في الخليج يعني ارتفاعًا في أسعار النفط. بالنسبة لروسيا، التي تعتمد على صادرات الطاقة كركيزة لاقتصادها، فإن كل ارتفاع في سعر البرميل هو دفعة مالية تساعدها على الصمود أمام العقوبات الغربية. لذلك، تبدو الحرب بالنسبة لموسكو “فرصة اقتصادية” بقدر ما هي “فرصة سياسية”.
لكن المكاسب لا تتوقف هنا. فإيران، التي تواجه ضغطًا أميركيًا متزايدًا، ستحتاج إلى حليف قوي يقف معها في مجلس الأمن وفي الساحة الدولية. وهنا تظهر روسيا كطرف قادر على تقديم الدعم السياسي والعسكري، ما يعزز نفوذها في الشرق الأوسط ويمنحها أوراق ضغط إضافية في مواجهة الغرب.
: الصين… القوة التي تفضّل الظل على الضوء
على الجانب الآخر، تبدو الصين أكثر حذرًا. فبكين، التي تعتمد على نفط الخليج لتغذية اقتصادها الضخم، لا ترغب في حرب تهدد خطوط الإمداد. لكنها في الوقت نفسه لا تمانع في رؤية الولايات المتحدة غارقة في صراع جديد يستهلك قدراتها ويشتت تركيزها عن آسيا.
الصين تتحرك بمنطق مختلف: تهدئة العلن… واستثمار الفرص في الخفاء.
فكلما زاد الضغط على إيران، زادت حاجة طهران إلى بيع نفطها للصين بأسعار منخفضة. وكلما اهتزت صورة الولايات المتحدة كقوة ضامنة للاستقرار، زادت قدرة بكين على تقديم نفسها كبديل دبلوماسي واقتصادي.
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه التوترات، تحاول الصين تعزيز دورها كوسيط، كما فعلت سابقًا في اتفاق التقارب السعودي–الإيراني. فالصورة التي تريد بكين ترسيخها هي صورة “القوة العاقلة” التي توازن بين الجميع.
بين موسكو وبكين… شراكة مصالح لا شراكة مصير
ورغم أن روسيا والصين تتفقان على ضرورة تقليص النفوذ الأميركي عالميًا، إلا أن حساباتهما ليست متطابقة. روسيا تستفيد من الفوضى… الصين تستفيد من الاستقرار.
روسيا تريد أسعار نفط مرتفعة… الصين تريد أسعارًا منخفضة.
لكن الطرفين يدركان أن إيران تمثل ورقة مهمة في مواجهة واشنطن، وأن سقوطها أو انهيارها ليس في مصلحة أي منهما. لذلك، سيحاولان دعم طهران بما يكفي لتصمد… دون أن تنجر المنطقة إلى فوضى لا يمكن السيطرة عليها.
مع اتساع رقعة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية في منطقة مضطربة، بل تحوّلت إلى مرآة تعكس شكل النظام الدولي الجديد. وفي خلفية هذا المشهد المشتعل، تتحرك روسيا والصين بخطوات محسوبة، كل منهما وفق مصالحه ورؤيته، لكنهما يلتقيان في نقطة واحدة: إضعاف النفوذ الأميركي دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة معه.
بالنسبة لروسيا، تبدو الحرب فرصة أكثر منها أزمة. فموسكو تنظر إلى الصراع الأميركي–الإيراني كنافذة استراتيجية يمكن من خلالها تحقيق مكاسب متعددة. فكلما تورطت واشنطن في الشرق الأوسط، تراجع تركيزها على دعم أوكرانيا وتعزيز وجودها في أوروبا ومواجهة روسيا في البحر الأسود، وهو ما يمنح موسكو مساحة أوسع للمناورة. كما أن أي اضطراب في الخليج ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة، وروسيا التي تعتمد على النفط والغاز كعمود فقري لاقتصادها ترى في ارتفاع الأسعار مكسبًا اقتصاديًا مباشرًا يساعدها على تخفيف أثر العقوبات الغربية.
الحرب أيضًا تدفع طهران أكثر نحو موسكو، سواء عبر التعاون العسكري أو صفقات الطاقة أو التنسيق السياسي، وهو ما يعزز نفوذ روسيا في الشرق الأوسط ويمنحها أوراق ضغط إضافية في مواجهة الغرب. وكلما بدت واشنطن عاجزة عن ضبط الإيقاع في المنطقة، كلما استطاعت موسكو الترويج لفكرة أن العالم لم يعد أحادي القطب، وأن النظام الدولي يتغير بالفعل.
أما الصين، فتتحرك بمنطق مختلف تمامًا. فبكين لا تريد حربًا واسعة، لكنها أيضًا لا تمانع في رؤية الولايات المتحدة غارقة في صراع جديد يستهلك قدراتها ويشتت تركيزها عن آسيا. الصين، باعتبارها أكبر مستورد للنفط في العالم، تدرك أن أي حرب تهدد مضيق هرمز ستعني ارتفاعًا كبيرًا في أسعار الطاقة واضطرابًا في سلاسل الإمداد، وهو ما يشكل ضغطًا مباشرًا على اقتصادها. لذلك، تفضّل بكين احتواء الحرب وليس توسّعها.
ومع ذلك، فإن الضغط الأميركي على إيران يفتح أمام الصين فرصًا اقتصادية مهمة، فكلما زادت عزلة طهران، زادت حاجتها لبيع النفط للصين بأسعار منخفضة وتوقيع اتفاقيات طويلة الأمد والاعتماد على بكين اقتصاديًا، وهو ما يعزز نفوذ الصين في الخليج وآسيا الوسطى. وفي الوقت نفسه، تحاول الصين تقديم نفسها كقوة دبلوماسية قادرة على الوساطة وتهدئة النزاعات، في محاولة لترسيخ صورتها كبديل محتمل للولايات المتحدة في إدارة الأزمات الدولية، وهو جزء من مشروعها لبناء نظام عالمي متعدد الأقطاب.
ورغم أن الصين تدعم روسيا سياسيًا، إلا أنها تتحرك بحذر شديد، فهي لا تريد عقوبات جديدة ولا مواجهة مباشرة مع واشنطن ولا اضطرابًا كبيرًا في الأسواق العالمية. لذلك، تبدو بكين وكأنها تسير على خيط رفيع: تستفيد من ضعف الولايات المتحدة، لكنها لا تسمح للحرب بأن تهدد مصالحها الاقتصادية.
وعلى الرغم من اختلاف الحسابات بين موسكو وبكين، إلا أنهما تتفقان على ضرورة تقليص النفوذ الأميركي، ودعم إيران بما يكفي لتصمد، ومنع سقوط النظام الإيراني، واستثمار الحرب لتعزيز فكرة “العالم المتعدد الأقطاب”. لكن الفارق الجوهري بينهما يبقى واضحًا: روسيا تستفيد من الفوضى، بينما الصين تستفيد من الاستقرار، وهذا ما يجعل مواقفهما متوازية لكنها ليست متطابقة.
وفي النهاية، تبدو الحرب الأميركية–الإيرانية جزءًا من صراع أكبر بين القوى الكبرى. روسيا تراها فرصة لتغيير قواعد اللعبة، والصين تراها تحديًا يجب إدارته بحكمة، بينما تجد الولايات المتحدة نفسها أمام اختبار جديد لقيادتها العالمية. وهكذا يعود الشرق الأوسط مرة أخرى ليكون المسرح الذي تُكتب عليه ملامح النظام الدولي القادم، لكن هذه المرة تحت أعين ثلاث قوى كبرى، لكل منها حساباتها، ولكل منها رؤيتها للعالم الذي يتشكل الآن.
: مصارد
Zee News
Carnegie Endowment for International Peace
Bruegel
: اقرأ يضا